(الخيط الذي أصبح وتراً) سؤال الحرب وسؤال الوجع والفقد لـ”ريما سلمان حمزة”

يمنات
محمد المخلافي
يمثل ديوان (الخيط الذي صار وترا) للشاعرة السورية ريما سلمان حمزة، تجربة شعرية حديثة تتسم بالعمق الفلسفي والكثافة التصويرية، ويندرج ضمن تيار قصيدة النثر وشعر التفعيلة الذي تجاوز الأطر الكلاسيكية للقصيدة العربية.
يتبنى الديوان شكلاً شعرياً حراً، يبتعد عن نظام الشطرين والوزن الخليلي، مفضلاً شعر التفعيلة وقصيدة النثر كأوعية للتعبير؛ حيث تغيب القافية الموحدة والالتزام بالبحر الواحد ما يعكس التحرر من القيود التقليدية، والسعي وراء شكل عضوي يخدم التجربة الشعرية.
البنية المعمارية للديوان والعناوين الفرعية
وإضافة إلى عنوان الديوان الرئيس؛ فإن محتواه ينقسم إلى مجموعات وعناوين فرعية مثل (منمنمات تاء تأنيث)، (ومضات)، وذلك دليل على بناء معماري للديوان، حيث تتجمع القصائد حول محاور دلالية أو أسلوبية مشتركة.
وذلك ينعكس على التوزيع البصري لكتل النصوص، مثل الاستعمال المكثف للفراغ (البياض) على الصفحة، وتفاوت أطوال الأسطر.
وهو ما يمنح النص إيقاعاً بصرياً خاصاً، ويسمح للقارئ بالتقاط الأنفاس والتأمل في الكثافة المعنوية لكل سطر، بعبارة أخرى فإن البناء المعماري للديوان يبدو مدروساً فالتنقل بين القصائد الطويلة، والومضات القصيرة، والمنمنمات، يمثل انعكاساً لتمزق الذات الشاعرة، تفاوت الأسطر الشعرية يخلق إيقاعاً متوتراً يشبه ضربات القلب في لحظات القلق أو الحرب، مما يجعل القصيدة كائناً حياً يتنفس بصرياً قبل أن يُقرأ لسانياً، بقدر ما يعمل البياض كـ(صمت إيقاعي) ؛ فالبياض ليس فراغاً، وإنما هو مساحة لانتظار القارئ، ومكان لترديد صدى الوجع الذي تتركه الكلمات المكثفة.
إذا كان عنوان الديوان الرئيس هو العتبة التي نلج منه، فإن عنوان العمل (ريما وقصائد أخرى) يشير إلى مركزية صوت الشاعرة نفسها في التجربة الشعرية.
الاسم (ريما) هنا لا يُقصد به شخصية غائبة داخل النص، بل يمثل الذات المؤلفة وصوتها الشعري المركزي، وهو يعكس تجربة الشاعرة نفسها في التعبير عن الألم الشخصي والعام، ويصبح علامة على الوجود الإبداعي للشاعرة داخل الديوان.
ففي المفتتح نجد رسالة من (ريما) إلى أبيها في السماء السابعة؛ وهذا يعني أن ريما، صارت أداة تحول، إنها (الخيط الذي أصبح وتراً)؛ إذ ينتقل الحال من الألم الشخصي (فقد الأب) إلى الألم العام (فقد الوطن)، هنا تمثل ريما الحضور في قلب الغياب، تمثل محاولة لترميم هوية تفتتت بفعل الحرب والاغتراب، حيث تبحث الشاعرة عن نفسها في الوجوه التي تشبهها.
اللغة الشعرية والأسلوب
أما على مستوى اللغة الشعرية والخصائص الأسلوبية، فإن لغة الديوان تتجاوز الاستعارة التقليدية إلى ما يمكن تسميته بـ(أنسنة الوجع)، وهي لغة تتميز بكونها لغة كاشفة وموحية، تعتمد على التكثيف والرمز، تتجاوز الوظيفة الإخبارية المباشرة للغة، الصورة مكثفة وغير مألوفة ومفارقة، تدمج بين المحسوس والمجرد، وتقوم بتشخيص الجماد (الوقت فقيه لا يحسن تفسير أسرار الوسادة)؛ هكذا ينتقل الوقت من مفهوم مجرد إلى كائن يعجز عن استيعاب حجم المأساة الإنسانية.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك:(الرصاصة.. أخت الجوع بالرضاعة) فهذه استعارة صادمة تربط بين العنف (الرصاصة) والحاجة الأساسية (الجوع والرضاعة)، مما يكشف عن تماهي الموت والحياة في سياق المعاناة.
إن اللغة هي الأداة الوحيدة المتاحة للذات الغريبة للتعبير عن تجربتها التي لا يمكن للغة التقليدية استيعابها. إنها لغة المنفى الداخلي التي تكسر حواجز المنطق لتصل إلى جوهر الشجون.
كذلك: (رأت وجهها يشبه جملة توقفت في منتصف الحريق)؛ كناية عن التحقق المنقوص الذي يشبه حياتنا، إذ هي حياة منقوصة في كل شيء. حتى هذا النغمة (في وجهي تخنقني المدن)؛ فهي تشخيص للمدينة ككائن حي يمارس القمع، وهي صورة تعكس الاغتراب والضيق الحضري، حيث تتحول الجغرافيا من حضن إلى قيد، وتصبح المدينة طفلاً (نسي أن يضحك).
إلى جانب ذلك هناك سمة الرمزية والغموض؛ وهذا يشمل جميع نصوص الديوان تقريباً؛ حيث تتسم اللغة بميلها نحو الرمز، وحيث تتحول المفردات اليومية إلى رموز ذات دلالات أعمق. فـ(ريما) تتجاوز كونها اسماً، فهي قد تكون رمزاً للأنوثة، أو الحلم، أو الخلاص. كما أن مفردات مثل: الظل، الضوء، المرآة، تتكرر بوصفها رموزاً للوعي واللاوعي، أو معادلاً للبحث عن الذات.
وثمة ملاحظة مهمة تطالعنا حين نغرق في تتبع أبرز ملاح الديوان، وهي تتعلق بهيمنة الأفعال المضارعة مثل: أغسل، أكسر، أتوهج، وهي هيمنة تضفي على النصوص حيوية وديناميكية، وتجعل التجربة الشعرية حاضرة ومستمرة، وكأنها عملية بحث وتشكيل للذات لا تتوقف.
الثيمات في الديوان
تتعدد ثيمات الديوان وتتشابك، لترسم خريطة للوجدان الإنساني في مواجهة الواقع المعاصر، فهناك ثيمة الاغتراب والضياع؛ وهي ثيمة تعبّر عن الشعور بالوحدة في الزحام، وعن الرغبة في البحث عن مكان آمن، كما تعبّر عن التمرد على الواقع القاسي: (في وجهي تختفي المدن ويبقى الرنين القديم كأنه جرس صدئ في مدرسة مغلقة)، (في وجهي تختفي المدن كطفل نسي أن يضحك، وأنا أصرخ في سراديب النسيان، وأبني قلاعاً من رذاذ الضوء)، (في وجهي تختفي المدن، وأنا أدفن أحلامي في دفاتر بلا كلمات)؛ حيث تتجسد الغرابة في الشعور بالضيق والاختناق داخل المكان، المدينة هنا لا تعود فضاء، فهي الآخر الذي يرفض احتواء الذات الشاعرة، مما يدفعها إلى البحث عن (وتر يغادر المكان)، أي الهروب إلى فضاء شعري خاص.
هناك –أيضاً –ثيمة الأنوثة والذات المؤنثة، حيث نجد سعياً حثيثاً إلى استكشاف الهوية الأنثوية، إلى التحرر من القيد، تكسير الاسم القديم، وبناء ذات جديدة؛ كما تمثل ذلك قصيدة (منمنمات تاء تأنيث) التي تدور حول التشكيل الذاتي والتحرر.
وهناك ثيمة الحرب والمعاناة الوجودية؛ حيث تعمد النصوص إلى تصوير بشاعة العنف، وربط الموت بالحياة اليومية، وتأثير الصراع على الفرد: (الرصاصة.. أخت الجوع بالرضاعة، ينامان معاً في الضوء المهمل.)
وهناك ثيمة فعل الكتابة والشعر؛ إذ يتم اعتبار الشعر وسيلة للخلاص، أو يتم النظر إليه بوصفه شاهداً على الوجع، أو محاولة لترميم الذات؛ ففي بعض القصائد يتحول النص إلى طقس جنائزي للوجع.
وهناك ثيمة الحب والفقد؛ فالحنين إلى شخص غائب (ريما) –مثلاً -، أو البحث عن معنى الحب في عالم مضطرب، وهي ثيمة تكاد تتمدد في الديوان كله؛ اسم (ريما) يقف في مركز التجربة الشعرية كرمز للكمال؛ بقدر ما هو دليل على النقص؛ الذي قد يكون غياباً قسرياً، أو حتى أمنية ضائعة.
وهناك ثنائية القيامة والخلاص؛ حيث يتكرر لفظ القيامة في الديوان (مبكرة هذي القيامة، آخر قيامات الدم)؛ وذلك يعني أن الحرب في الديوان ليست حدثاً عابراً، ولكنها قيامة مستمرة، حيث تتداخل غزة مع أقصى الأقصى لتشكل وجعاً كونياً.
وهناك شعرية الفقد والأب؛ حيث يمثل الأب في الديوان (سلمان حمزة) المرجعية الوجدانية المفقودة؛ هذا الفقد الشخصي هو الذي منح الشاعرة القدرة على تلمس فقد الآخرين (الشهداء، الأرامل، اليتامى).
وهناك جدلية الضوء والعتمة؛ إذ نلاحظ صراعاً مستمراً بين (مخاض الضوء) و(سواد الحبر)، كتابة النص في الديوان تتحول إلى محاولة لـ (ترويض موجة) أو (بناء قلاع من رذاذ الضوء) لمواجهة عتمة الواقع.
ومن أهم ثيمات الديوان؛ ثيمة الأنثى والمرايا؛ ففي هذه الثيمة تحضر المرآة كأداة للمواجهة (المرآة لا تجرؤ على مواجهتي)؛ فالأنثى لا تستجدي عطفاً، لأنها (شجرة مكان) تتشعب في تفاصيل الألم لتنتج نصاً مقاوماً بالجمال.
إضافة إلى ذلك كله نلمح مجموعة من الرموز الكبرى في الديوان؛ مثل البحر والمركب؛ فهما يظهران كرمزين للرحيل القسري، ومحاولة البحث عن مرافئ مستحيلة (حزن المراكب عند الرحيل)، ومثلهما الغيم والمطر، فهما ليسا رمزان للخير دائماً، بل أحياناً يكون المطر اتهاماً أو (دموعاً للثكالى)، فيما تحضر غزّة بوصفها بوصلة أخلاقية وجمالية، إذ هي (الكأس والقصيدة والملائكة) في زمن لا رؤوس فيه للولدان)
النشأة والخلفية الثقافية
ريما سلمان حمزة شاعرة سورية، تخرّجت من المعهد العالي للموسيقى بتخصص وتريات، ما يمنح نصوصها عمقًا نفسيًا وإيقاعًا موسيقيًا متماشيًا مع لغة الشعر.
هي أيضًا موسيقية وملحنة وكاتبة متعددة الجوانب، تكتب باللغتين العربية والإنجليزية، وتمارس الكتابة في مختلف الأجناس الأدبية، من الشعر العمودي والتفعيلة وقصائد النثر إلى المقالات وفن القصة.
تؤمن أن الشعر ليس ترفاً ثقافياً، بل أداة للمقاومة والتعبير، ولغة تعكس الوجدان الجمعي وتطرح السؤال دائمًا: (وماذا بعد؟). تأثرت في مسيرتها الشعرية بإيقاع نازك الملائكة، ووجع فدوى طوقان، وفكر مي زيادة، وانفعال أحلام مستغانمي، لكنها تسعى دائمًا لصوت شعري مميز وفريد.
مارست العمل الأدبي كإدارية وكاتبة محررة في عدة منصات وصحف مرموقة، منها جريدة عالم الثقافة حيث تشغل حاليًا منصب مدير التحرير، وصحيفة ديلي جلوبل نيشن، وصحيفة أدبيات التركية، وصحيفة رول البرازيلية كمحررة.
كما شغلت مناصب دولية، منها عضو المجلس الاستشاري في أكاديمية فرسالا بأثينا، اليونان، ورئيسة مجلس إدارة سابقًا في منصة سيريوس بألمانيا، رئيسة اللجنة الوطنية السورية لجائزة نوبل
نوقشت مجموعاتها الشعرية من قبل نخبة من النقاد الأكاديميين في الوطن العربي، ونُشرت قصائدها في مجلات وصحف عربية مثل القبس الكويتية، والدستور، والصباح، والشارقة الثقافية، إضافة إلى مواقع وصحف عالمية في إيطاليا، وألبانيا، وبلجيكا، ولندن، وبنغلاديش، وكوسوفو، وإسبانيا، وفرنسا، والهند، وروسيا، وألمانيا.
كما تُرجمت بعض من نصوصها إلى عدة لغات، منها الإيطالية والألبانية والإسبانية والفرنسية والإنجليزية والصينية والبنغالية، ومن أبرز أعمالها قصيدة (تقاسيم على فجر قريب) التي تُرجمت إلى خمس لغات ونُشرت في مواقع مختلفة.
شاركت في موسوعات وأعمال أدبية متعددة، منها واحة الإبداع الصادرة عن المؤسسة العامة للنيل والفرات، وكتاب أول الغيث قطرة للدكتورة أماني إبراهيم، كما نوقشت بعض نصوصها في كتاب منهج الحفر الثقافي الجدلي.
وشاركت في الأنطولوجيا الدولية الكبرى لشعراء المحبة والسلام عن جمعية المبدعين المغاربة، وفي المجلد الرابع للكتاب الدولي مانديب تحت رعاية مؤسسة مانديب الدولية بالهند، إضافة إلى مشاركات في موسوعات عالمية تضم مبدعين من العالم ، ومعظم الفعاليات والأمسيات الشعرية والمهرجانات الأدبية في سوريا والدول العربية، ولديها مشاركات في كتاب رسائل نسائية عربية الصادر عن دار السنابل بفلسطين.
حاليًا، تعمل على رواية قيد الطبع، ولديها كتاب دراسات نقدية يركز على نصوصها، وكتاب لنصوصها المُترجمة لست لغات بعنوان: ” قصائد تطاردني”، مستمرة في تقديم تجربة إبداعية متكاملة تمزج بين الشعر والفلسفة والموسيقى والكتابة الصحفية، مؤكدة أن الفن أداة للتحوّل وفعل مقاومة.
في المحصّلة يمكن النظر إلى ديوان (الخيط الذي صار وترا) بوصفه نصاً شعرياً حديثاً بامتياز، يجمع بين الحساسية العالية تجاه القضايا الوجودية والاجتماعية، وبين التجديد الجريء في الشكل واللغة، لقد نجحت الشاعرة في صهر التجربة الذاتية في بوتقة فنية مكثفة، من خلال لغة رمزية عميقة، وبنية شكلية متحررة، لنقرأ في النهاية شهادة شعرية على زمن صعب، وعلى صراع تخوضه الذات مع المدينة، والذاكرة، والفقد.
لذلك فإن قراءة مثل هذا الديوان تتطلب من القارئ أن يكون شريكاً في عملية إنتاج المعنى، وأن يتأمل في الفراغات والبياضات بقدر تأمله في الكلمات المكتوبة.